الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
190
نفحات القرآن
لا يقتصر هذا الالهام الغريزي على النحل فحسب ، بل نجده في كثير من الحيوانات تفوق عجائب كلٍّ منها الأخرى ، نذكر لذلك الأمثلة الآتية : يقول أحد العلماء في كتاب له باسم « البحر بيت العجائب » : « إنّ الحركات التي تقوم بها بعض الأسماك تعتبر من غرائب الطبيعة ولا أحد يستطيع أن يكشف أسرار هذا السلوك ، فهناك نوع من الأسماك يسمى « النُقْط » يغادر البحر المالح الأنهر العذبة وهي الأماكن التي ولدت فيها نفسها ، وقد يقتضي ذلك أن تسير عكس اتّجاه حركة المياه ، أو تصعد الشلالات من أسفلها إلى أعلاها ، وقد يبلغ عددها حداً بحيث تملأ النهر ، وعندما تصل إلى المحل المقصود تضع بيوضها ثم تموت ! يا تُرى : كيف تستطيع هذه الأسماك أن تختار المياه المناسبة لها ؟ إنّه أمر عجيب ، والأعجب ، لأنّها تفتقد الخارطة ، كما أنّ بصرها تحت الماء محدود ، ولم يدلها أحد على الطريق ، وبالرغم من ذلك فهي تصل إلى المكان المقصود والمناسب » . ويضيف في نفس الكتاب : « إنّ الأعجب من ذلك هو سلوك الأسماك الإنجليزية « سمك يشبه الحيّة » فحين تبلغ ثمان سنوات تغادر النهر أو المستنقع الذي كانت تعيش فيه ، وتزحف ليلًا على الأعشاب المتشابكة حتى تصل إلى شاطىء البحر ، ثم تجتاز المحيط الأطلسي عرضاً حتى تصل إلى المياه القريبة من « برمودا » ! وتغوص في المحيط آنذاك وتضع البيوض ثم تموت . . . إنّ صغار هذه الأسماك تطفو على سطح البحر وتبدأ سفرها عائدة إلى وطنها ، وتستغرق هذه السفرة سنتين أو ثلاثاً حتى تصل إلى المحل الذي كان فيه أسلافها . كيف وجدت هذه الأسماك طريقها رغم أنّها لم تسلكه سابقاً ؟ إنّه سؤال لا يمكنك الإجابة عنه ، كما لا يستطيع أعلم العلماء الإجابة عنه ، إنّه سرّ ، ولا أحد يعرفه » « 1 » ! وكثير من الطيور المهاجرة تجتاز طرقاً ومسافات طويلة ، وبعضها يجتاز طريق « أوربا » إلى « أفريقيا الجنوبية » دون خطأ في الاتّجاه ، ولم نكتشف كيفية اهتداء هذه الطيور إلى
--> ( 1 ) . البحر بيت العجائب ، ص 116 و 117 ( بالفارسية ) .